X

Scan the code below

المقالات

banner
الإرهاب المسلح وإستراتيجية محاربته
لواء ركن دكتور/ محمد قشقوش.  
مقدمة
  1. يمكننا أن نعرّف الإرهاب المسلح بـأنه: مجموعة من المليشيات المسلحة التي تستخدم العنف والقتل ضد الشعوب أو الجيوش النظامية، والقوى الشرطية للدولة القومية المركزية؛ بغرض تحقيق أهداف خاصة: دينية أو عرقية أو قومية، بشكل وأسلوب خارج عن أطر القوانين والمعاهدات الدولية التي ارتضاها المجتمع الدولي من خلال مؤسساته وآلياته الدولية.
  2. ويعتبر التطرف مرحلة أولية غالبًا ما تؤدي إلى الإرهاب، وقد ينشأ التطرف نتيجة أفكار غير سوية وغير متسقة مع المجتمع أو الدولة لأسباب دينية أو عرقية أو قومية أو تاريخية، أو تمييز مجتمعي لفئة عن أخرى، وهو مايؤدي إلى صدام فكري غالبًا مايتحول إلى صدام عسكري باستخدام المليشيات المسلحة للإرهاب، وهنا يجب أن نفرق بين ذلك، وبين الكفاح المسلح لنيل الاستقلال خلال حقبة الاستعمار التقليدي، أو كفاح الشعب الفلسطيني لإقامة دولته.
  3. كما أنه من الخطأ ذكر الإسلام كمرادف للإرهاب، ومنبع هذا الخطأ أن الاقتتال في منطقة الشرق الأوسط ذات الأغلبية المسلمة، يتم بين مسلمين ومسلمين، ولكن بالنظر إلى أعمال الإرهاب والقتل وخاصة في أوروبا والولايات المتحدة، نجد أن ذلك يتم بواسطة غير المسلمين. وتشمل مكونات الإرهاب: الفرد والسلاح وما يستتبعه من المعدات والذخائر والمتفجرات، ثم التدريب والتمويل، مع استخدام الغطاء السكاني والبيئي، ثم الإعلام الخاص الذي يروج للتجنيد، والدفاع عن قضايا الإرهاب، وأيضا بث الرعب والتنكيل، لمنع السكان المحليين من التعاون مع مؤسسات الدولة وخاصة الأمنية، مع استخدام الإرهابيين لتكتيكات حرب العصابات (Guerillawarfare).
  4. أظهرت المواجهات العسكرية بين الجيوش النظامية والمليشيات الإرهابية مدى صعوبة ذلك بالنسبة للجيوش النظامية، فهي حرب بين الظاهر والخفي، وبين الثابت والمتحرك، وبين المميز وعكس ذلك، وبين الخاضع للقانون الدولي، وغير الخاضع لأي قانون، حيث تصنف أنها حرب غير متماثلة (not symmetrical war).
أولاً: التنظيمات الإرهابية والحروب بالوكالة (proxy war):

وهو ما اتبعته الدول الكبرى لاستخدام المليشيات المسلحة بديلاً لقواتها النظامية لتفادي الخسائر البشرية ولتحقيق أهداف مشتركة،كما فعلت الولايات المتحدة بعد حرب فيتنام.

ثانيًا: ماذا بعد هزيمة التنظيمات الإرهابية؟
  1. في العراق: تلقى تنظيم داعش ضربة مؤلمة بهزيمته وإجلائه عن (الموصل)، عاصمة دولته، وذلك بالتنسيق بين القوات المسلحة العراقية، والقوات العشائرية والكردية.
  2. في سورية: على طريق داعش العراق وعلى وشك هزيمة التنظيم في عاصمة الإقليم، (الرقة)، ومناطق أخرى؛ ليكون التنظيم محاصرًا بين الجيش العراقي المدعوم بالتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة من الشرق، وبين الجيش السوري المدعوم بالقوات الروسية والإيرانية من الغرب.
  3. في ليبيا: رغم الانقسام الليبي بين الشرق والغرب، إلا أن كليهما يحقق انتصارات عسكرية ضد داعش ليبيا.
  4. في دول أخرى يرصد التراجع الإرهابي في عدد من دول الإقليم بدرجات متفاوتة، فهل تُهزم التنظيمات الإرهابية هزيمة كاملة؟ وما هو المتوقع مستقبلًا؟

لا ينتظر أن يُهزم الإرهاب هزيمة كاملة، بمعنى ألا تقوم له قائمة، ولكن يتم كسر شوكته وهزيمته مناطقيًا كما هو حادث الآن، مما يؤدي إلى الاحتمالات التالية:

  • الانتقال إلى ملاذ آمن جديد، يعاود منه النشاط الإرهابي أعماله الإرهابية.
  • أن تعود بعض العناصر إلى الوطن الأم، سواء للتوبة، أو العمل بتكتيكات (الذئاب المنفردة).
  • الاختفاء المؤقت كخلايا نائمة لحين تغير الظروف وتحيّن الفرصة للظهور مجددًا، في بؤر محدودة عدديًا ولكنها منتشرة على نطاق واسع جغرافيًا، ثم تقوى تدريجيًا لتشكل شبكات عنكبوتية جديدة.
ثالثًا: المقاتلون الأجانب في الجماعات الإرهابية:
  1. لا يشكلون ظاهرة من الناحية العددية، ولكن الدوافع هي الملفتة للنظر، سواء كانوا مسلمين جدداً أو وقعوا تحت تأثير الإعلام النشط الممنهج لبعض التنظيمات مثل داعش سواء من منظور الدين أو حقوق الإنسان لرفع الظلم الواقع من حكومات (سلطوية أو كافرة)، حيث تعرض القضايا الدينية من منطلق (لا تقربوا الصلاة) اعتمادًا على ضعف المعلومات الدينية عند معظمهم، ومن الغريب أن يكون منهم عدد غير قليل من النساء بعضهن في سن المراهقة.
  2.  التغير الديموغرافي للمسلمين في أوروبا الغربية:
    طبقًا للاتحاد الأوروبي، يشكل المسلمون حوالي 20 مليون مسلم في أوروبا الغربية، أكثرهم في فرنسا، حيث يشكلون 8% من السكان، 6.5 % في ألمانيا، 6% في كل من السويد وبلجيكا، 5.5 % في هولندا، 4.8% في بريطانيا، 4% في إيطاليا، ومعظمهم من المهاجرين من الدول الإسلامية وخاصة الإفريقية عبر المتوسط، ويعاني معظمهم من التفرقة في بلدانهم الأوربية طبقًا للدين واللون، وهي نقطة جديرة بالاهتمام من تلك الدول حتى لا تكون بمثابة مفرخ للإرهاب داخلها وخارجها.
  3. مثال لظلم إلصاق الأعمال الإرهابية بالمسلمين في الولايات المتحدة وأوروبا:
    1. في الولايات المتحدة، كشفت جامعة نورث كارولينا لعام (2014) وكما أعلنت شبكةCNN أن (32) فردًا قتلوا بواسطة أعمال إرهابية بينهم مسلمون، بينما قتل (33,599ألفًا) بواسطة أمريكيين غير مسلمين بإطلاق النار.
    2. في أوروبا من مصدر البوليس الأوروبي (EUROPOL) لعام (2016) كانت أعمال القتل بواسطة مسلمين 2%، بينما كانت 98% بواسطة غير المسلمين.
    3. في الشرق الأوسط الوضع مختلف، حيث الأغلبية الساحقة المسلمة الذين يقتل بعضهم بعضًا، مما يعطي انطباعًا سلبيًا وخاطئًا عن الإسلام، ووصمه بأنه دين دموي، وهو ما عبرت عنه جامعة نورث كارولينا بعد الإحصائيات بأنه خطأ إعلامي أمريكي.
رابعًا: تمويل الإرهاب وأساليب مجابهته وتجفيف منابعه:

التمويل هو أهم مكونات المنظومة الإرهابية ؛ لشراء الأسلحة، والمعدات ودفع الرواتب الكبيرة لتلك المليشيات، ويتم الحصول على التمويل إما فرديًا أو محليًا أو عن طريق دول ومنظمات راعية للإرهاب تحت ستار، أو بالاستيلاء على ثروات الدولة من بنوك ومعادن نفيسة، وبيع آثار وثروات بترولية، بشكل لا أخلاقي ، لتشتريه دول أخرى بشكل لا أخلاقي أيضًا، ولمواجهة ذلك يجب أن يتم تعاون محلي وإقليمي ودولي متكامل، سواء بتتبع الأرصدة والتحويلات البنكية، أو عبر الحدود المفتوحة، وإنشاء ميثاق شرف ملزم لعدم شراء الدول للثروات المنهوبة مثل: البترول والآثار والمعادن النفيسة من الإرهابيين، مع التركيز على تتبع المافيا والجرائم العابرة للحدود التي تستخدم تبادل المنفعة مع الإرهابيين، في مجالات السلاح والمخدرات والبشر ونقل الأموال..إلخ، مع تأمين المنافذ الحدودية المختلفة، رغم صعوبة ذلك مع الدول ذات الحدود الممتدة والمكشوفة أمنيًا مثل جنوب ليبيا والحدود العراقية السورية.

خامسًا: الإعلام والإرهاب:
  1.  إعلام التنظيمات الإرهابية: ويخاطب (أولًا) من يريد تجنيدهم، اعتمادًا على فلسفة دينية منقوصة، نظراً لعدم إلمام المستهدفين. (ثانيًا): السكان المحليين بسياسة الترغيب للتعاون معهم، والترهيب لعدم التعاون مع مؤسسات الدولة وخاصة الجيش والشرطة، والتنكيل بمن يتعاون معها. (ثالثاً) الموالين للدولة أو لتنظيمات منافسة، والقيام بعمليات إعدام ميدانية لتضخيم نتائج أعمال التنظيم، وبث الرعب بإظهار أعمال انتقامية أو عقابية، كما حدث مع الطيار الأردني الذي تم حرقه، وكما حدث مع 21 مصريًا مسيحيًا تم ذبحهم في ليبيا بإخراج سينمائي.
  2.  إعلام الدولة/ الدول المناهضة للإرهاب:
    (أولًا): البث المؤثر والشامل وبكافة اللغات للتعريف بحقيقة وجوهر الدين الإسلامي، والسنة النبوية من مصادرها الصحيحة، والبعد عن الفتاوى خارج هذا الإطار، (ثانيًا): تفنيد كل ما ينشره الإعلام الإرهابي بالحجة، (ثالثًا): محاور أخرى بالتركيز على التنمية الشاملة لمحاربة الفقر والجهل والمرض، ورفع المستوى العلمي والثقافي والصحي والمعيشي، وإتاحة فرص العمل للشباب، واستغلال موارد الدولة أفضل استغلال من أجل ذلك، مع إعطاء المثل والقدوة ومحاربة الفساد بشتى أنواعه؛ لإقامة مجتمع العدل والمساواة والقانون لإنماء روح الولاء بين الوطن والمواطن؛ لتكون لديه مناعة دينية ومجتمعية ووطنية.
سادسًا: حتمية التعاون الدولي لمكافحة الإرهاب وهزيمته:

ثبت أن مقاومة الإرهاب بشكل فردي غير فعالة، وظهرت الحاجة إلى التعاون والتنسيق المحلي والإقليمي والدولي، في مجالات تبادل المعلومات، وبيع الأسلحة بشكل يمكن تتبعها من البائع إلى المشتري الرسمي، وتجفيف مصادر التمويل المختلفة والامتناع عن شراء أي مواد من الإرهابيين مثل: البترول والآثار والمعادن النفيسة بشكل مباشر أو عبر وسطاء، وكسر حلقات الربط والتعاون بين الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود، والتنسيق بين التحالفات العسكرية والإقليمية والدولية؛ للحصول على أفضل النتائج كما في العراق وسوريا مؤخرًا.

ولعل المؤتمر الخليجي العربي الإسلامي الذي عقد في المملكة العربية السعودية في (19/5/2017) بحضور الرئيس الأمريكي الجديد ترامب، وإنشاء مركز لمجابهة الإرهاب في المنطقة، يكون بداية صحيحة للتعاون الدولي والإقليمي من منطلق أن الإرهاب لا وطن له ويهدد الإقليم والعالم.

خاتمة

لذلك على المجتمع الدولي التعاون، لوضع خطة عاجلة – لاستثمار كسر شوكة الإرهاب في كل من العراق وسورية، وإرساء نظم تتبع مبيعات الأسلحة من المنتج إلى المستهلك، وتجفيف مصادر التمويل المختلفة، وقطع حلقة الوصل مع الجريمة المنظمة العابرة للحدود، وكذلك الهجرات غير المشروعة، ووضع خطة آجلة في حال هزيمة الإرهاب واختفائه في ملاذات آمنة كخلايا نائمة قليلة العدد، ولكن منتشرة على نطاق جغرافي واسع تتحين الفرصة للظهور مجددًا، لتقوى تدريجيًا، وتكوّن شبكات عنكبوتية جديدة، على أن يتم ذلك بالتوازي مع تطوير الخطاب الديني السمح، والعمل على تنمية المجتمع للقضاء على الفقر والجهل والمرض والبطالة، مع تطوير الخطاب الإعلامي الهادف والموضوعي، بكافة اللغات للتمكن من هزيمة الإعلام الإرهابي وتقليص دوائر تأثيره.

لواء ركن دكتور/ محمد قشقوش
أستاذ الأمن القومي الزائر بأكاديمية ناصر العسكرية العليا
مستشار المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية بالقاهرة.
تحكم بالخط
-
+
البريد الإلكتروني*
x