X

Scan the code below

المقالات

banner
الأمن الفكري
نشرت من قبل د. حسن عبد الله الدعجة
د. حسن عبد الله الدعجة.  

يبرز مصطلح الأمن الفكري بشكلٍ مستمر مع تعدُّد الدراسات والأطروحات العلمية في هذا الشأن في الوقت الراهن، حتى عجَّت المكتبات العربية والأجنبية بكتب وأبحاث وتحليلات وأطروحات علمية حول هذه القضية. وقد شكَّل ذلك هاجسًا سياسيًّا وفكريًّا وأمنيًّا لصُنَّاع القرار السياسي والأمني، وما زال يؤرِّق الكثير من أفراد المجتمع في الوقت نفسه؛ بسبب تعرُّضهم لمخاطر الإرهاب الناتج عن الانحراف الفكري، الذي يستخدم القسوة والعنف والقتل ضد الأبرياء في الأماكن العامة.
ويكمن الخوف في وصول هذا الفكر إلى عددٍ كبيرٍ من الناس، بحيث يصبح الانحراف الفكري هو الأساس، والفكر السليم المعتدل هو الاستثناء، بالإضافة إلى التخوُّف من وصول الفكر المنحرف إلى الشباب في المدارس والجامعات، ما سيشكِّل خطرًا ممتدًّا وواسعًا تتعسَّر مجابهته بالأساليب التقليدية.

"الأمن الفكري ضرورة مُلحَّة لكل فردٍ في المجتمع والدولة؛ فهو يشارك بشكل أساس في تطوُّر الفكر الوسطي المعتدل، وبه تستطيع الأمة والدولة أن تتقدَّم وتزدهر" والأمن الفكري ضرورة مُلحَّة لكل فردٍ في المجتمع والدولة؛ فهو يشارك بشكل أساس في تقدُّم وتطوُّر الفكر السديد الوسطي المعتدل البعيد عن الغلو والتطرف في الاتجاهات والممارسات والأفعال لدى الأجيال المقبلة، وبه تستطيع الأمة والدولة أن تتقدَّم وتزدهر، ومن دون الأمن الفكري تسود الفوضى الفكرية، ويختل الأمن الوطني، ومن ثَمَّ يُفضي إلى التخلُّف. والأمن الفكري هو نقيض الانحراف الفكري، وقد عرف العالم الغربي منظمات إرهابية استعملت العنف بباعث الانحراف الفكري، سواء في الديانة المسيحية أو الديانة اليهودية، فقد أدى التطرُّف الديني في أوروبا إلى حروب ومعارك كثيرة، أشهرها: حرب الثلاثين سنة بين الكاثوليك والبروتستانت، بين الولايات الألمانية، ثم تبعتها دول أوروبا التي بدأت بقصف العاصمة التشيكية براغ عام 1618م وانتهت بمعاهدة (ويستفاليا) للسلام عام 1648م، ويقدَّر عدد قتلى هذه الحرب في أوروبا بـ 8.1 ملايين عسكريٍ، وما لا يقل عن 3 ملايين مدنيٍ، وفقدت الإمبراطورية الجرمانية أكثر من خُمس شعبها، كذلك الأمر في الدين الإسلامي عندما جاء الخوارج في بداية حقبة الإسلام في القرن الهجري الأول وعاثوا فسادًا وقتلًا. إن الأمن الفكري كان، وما زال، ديدن البشرية، أينما كانت، تسعى إلى تحقيقه والحفاظ عليه بشتَّى الطرق والوسائل.

وفي العصر الحديث، شهد العالمُ انحرافًا فكريًّا لدى جماعات آمنت بأهداف فكرية فاسدة ومتطرفة في المجالات المذهبية أو الدينية أو السياسية؛ فقد أدى التطرُّف السياسي القومي النازي إلى حرب أممية أزهقت أرواح ملايين البشر. ولم تسلم الولايات المتحدة الأمريكية من هذا الانحراف، عندما قام أحد مواطنيها، وهو (تيموثي ماكفي)، عام 1995م، بتفجير شاحنة معبأة بالمتفجرات أمام مبنى ألفريد مورا الفيدرالي بوسط مدينة أوكلاهوما، وكان هذا الانفجار، هو الأكثر تدميرًا ضمن نطاق الإرهاب على الأراضي الأمريكية، إذ أوقع 168 قتيلاً ، بينهم 19 طفلًا تقل أعمارهم عن السادسة، و أكثر من 680 جريحا .
وفي بداية القرن الحادي والعشرين، كان لأحداث 11 سبتمبر 2001م، التي قُدِّر عدد ضحاياها بما يقارب 3000 شخصٍ، انعكاسٌ بالغُ الخطورة على تغيير مسار العلاقات الدولية والسياسية في العالم،  إذ أدَّت إلى دمار وحروب وقتل واحتلال وفوضى عارمة في كثيرٍ من مناطق العالم، وكذلك التفجيرات في السعودية والأردن، ودول المنطقة، وكثير من دول العالم.

"الانحراف الفكري يعطِّل تقدُّم المجتمع والدولة معًا، وهو أخطر من الجرائم المنظمة أو المخدرات أو آفات المجتمع أو أمراضه الأخرى" إن الانحراف الفكري بعيدٌ كل البعد عن تعاليم الدين الإسلامي الحنيف؛ فهو يشلُّ ويعطِّل تقدُّم المجتمع والدولة معًا، ما يتطلَّب من الدول والمؤسسات المعنية التفكير مليًّا بإعادة الأمن الفكري إلى نصابه واستتبابه؛ فهو أخطر من الجرائم المنظمة أو المخدرات أو آفات المجتمع أو أمراضه الأخرى، فهو مرض ديني سياسي اجتماعي مركَّب، يحاول أن ينتزع لنفسه شرعية العمل والتخطيط والتنفيذ، ويقنع نفسه بأنه صاحب حق وشرعية، ملغيًا بذلك شرعية الدولة والأمة، ويستخدم في سبيل ذلك وسائلَ غير أخلاقية وغير مشروعة لتحقيق أهدافه.

وقد أكدت المملكة العربية السعودية، على لسان خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز حفظه الله، أن «التطرف والإرهاب أخطر ما تواجهه الأمة العربية»، داعيًا إلى «تضافر الجهود لمحاربتهما بالوسائل كافة». كما أن مبادرة إنشاء المركز العالمي لمكافحة التطرف وتعزيز الاعتدال وما يضمه من إمكانات تقنية وبشرية، كذلك مرتكزاته الفكرية والرقمية والإعلامية، ومهامه في رصد وتحليل نشاطات الفكر المتطرف، وأهداف المركز الإستراتيجية القائمة على الوقاية والتوعية والشراكة لمواجهة الفكر المتطرف - جاءت بناء على رؤية الملك سلمان بن عبد العزيز في محاربة الفكر المتطرِّف، وكذلك نشر الفكر المعتدل بين الشباب في العالم أجمع.

من جانبه، أكَّد صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع، بمناسبة اليوم الوطني، هذا المعنى عندما قال: «لقد أكدت هذه البلاد، تحت قيادة سيدي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود - حفظه الله - صدقها في نصرة الحق، وتمسكها بثوابتها في تحقيق العدل، وسعيها إلى استتباب الأمن الإقليمي والسلام العالمي، وجهودها التي شهد بها العالم في مكافحة الإرهاب واجتثاث أصوله وتجفيف منابعه».

"ليس التطرُّف والإرهاب فعلًا فقط، لكنه نتج عن فكر منحرف متطرِّف، يستوجب من جميع مؤسسات الدولة، ومؤسسات المجتمع المدني، وقنوات التنشئة الدينية والتربوية والاجتماعية مكافحته" إن التطرُّف والإرهاب هو في واقع الأمر ليس فعلًا فقط، لكنه في أساسه ومقدماته نتج عن فكر منحرف متطرِّف، يستوجب من جميع مؤسسات الدولة، ومؤسسات المجتمع المدني، وجميع قنوات التنشئة الدينية والتربوية والاجتماعية مكافحته، وتحديدًا من قِبَل المجتمع، أفرادًا وجماعات؛ فهي مسؤولية مشتركة لبناء المفاهيم والقيم الوسطية المعتدلة بلا تنطُّع أو تطرُّف؛ فالقيم الإنسانية السليمة تحصِّن وتحمي المجتمعات من الانحراف الفكري والإرهاب.

وهذا يعني أن الأمن الفكري يرتبط بعقول الأفراد، وهو نتاج تفكيرهم وانعكاس سلوكهم وتصرفاتهم، كما يعكس هويتهم الدينية والعرقية، وارتباطه القوي بمتغيرات الأمن بمفهومه الشامل؛ بحيث لا تنفك عُراه عنه، وهو مرتبط ارتباطًا وثيقًا بأمن الإنسان ذاته؛ لأن الأمم تُقاس بتقدمها، وهذا يتأتَّى من خلال الفكر السليم المعتدل لأبنائها وأفكارهم السليمة، فإذا حافظ الأفراد على أمنهم الفكري فإنهم يحصِّنون قيمهم ومُثلهم ومبادئهم التي ينتج عنها الفكر الجمعي للمجتمع، ويتحقق لهم الأمن في أتمِّ مظاهره وأفضل أشكاله. وإذا انحرفت أفكارهم بمبادئ متطرفة واعتقادات خاطئة ضالة؛ فهي تفكِّك تماسك المجتمع وتضرب أهم أساسيات استقراره وأمنه، التي تُعد الركيزة الأساسية للتنمية والازدهار وتقدُّم الوطن، ويحل بهم الخوف وعدم الاستقرار الأمني والاجتماعي، ما يهدِّد وجودهم ويقضي على مقومات الوحدة الوطنية للمجتمع. والانحراف الفكري يؤخِّر الوطن عن مسيرة التنمية ومواكبة التقدم، والانشغال بأمور فرغت منها الأمم الأخرى؛ فالأمن الفكري يُعتبر الركن الأساسي في حفظ الأمن والاستقرار وتحقيق الرفاه الاجتماعي والاقتصادي.

رئيس قسم الأمن الإنساني، كلية العلوم الإستراتيجية، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية
تحكم بالخط
-
+
البريد الإلكتروني*
x