X

Scan the code below

المقالات
نشرت من قبل حسن محمد - باحث مصري – ماجستير الدين والسياسة والمواطنة من جامعة بادوفا بإيطاليا - مدير مرصد دار الإفتاء المصرية

قراءة في تجربة مرصد الفتاوى لمواجهة التطرف

فرض الإرهاب نفسه على الساحة الدَّولية ليكونَ تحدِّيًا ملحًّا يستدعي استجابةً واسعة من الأطراف الدَّولية؛ لمواجهة التهديدات الطارئة على البيئات الداخلية والإقليمية والدَّولية التي أطاحت بدول، وأودت بدول إلى قوائم الفشل والانهيار. ولم تكن مصرُ بمنأًى عن تلك التحديات، فقد واجهت إرهابًا عابرًا للحدود تحت أسماء كثيرة ورايات مختلفة، وهذا ما جعل مواجهة الإرهاب وتجفيفَ منابعه إحدى أولويات صانعي القرار. واحتلت المواجهة الفكرية أولويةً قصوى في الحرب على الإرهاب، واضطلعَت المؤسسات الداخلية والخارجية في تلك المواجهة، مسخِّرةً جميع الإمكانات لاستئصال شأفة الإرهاب والقضاء عليه.


وكانت دار الإفتاء في باكورة تلك المؤسسات التي سعَت إلى مواجهة تيارات العنف والإرهاب فكريًّا، فأنشأت أولَ مَرصَد في مصرَ لمواجهة الفتاوى التكفيرية والآراء المتشددة، باعتباره أولَ عمل مؤسسي في جهود المواجهة الفكرية لروافد العنف والتطرف، وبداية العمل التراكمي في التفنيد والرد على مقولات التكفير وسفك الدماء.


وقد استند المرصد في عمله إلى رصيد ضخم من فتاوى دار الإفتاء وموسوعاتها العلمية والشرعية، وعلمائها وباحثيها، ومنهج أزهريٍّ علمي رصين، وهذا ما أسهم في انطلاق المرصَد بقوة وفاعلية على عدة مستويات.


مستويات المواجهة
عمل المرصد على التصدي لظاهرة الفتاوى التكفيرية والمتطرفة والدعايات الخبيثة لجماعات العنف والإرهاب، عبر استهداف مستويات ثلاثة:
أولها مستوى التعامل مع الفكر المتطرف، إذ أصبح من الواضح تقدُّم الخطط والوسائل التي تستخدمها الجماعات المتطرفة في تجنيد فئات المجتمع المختلفة، خاصة النشء والشباب، وهي تعتمد على الاستدلالات الفقهية والشرعية من أجل التعبير عن رؤيتها للآخر وللعالم، مثل الحاكمية والجهاد والخلافة والولاء والبراء وغيرها من المفاهيم الشرعية التي تحرفها عن أصل معناها لتوظفها في آرائها المتطرفة.
وبرغم الجهود المبذولة في مجال التعامل مع المتطرفين لإعادة تأهيلهم ودمجهم في مجتمعاتهم، لايزال هناك جوانبُ مهملة في برامج إعادة الدمج على نحو يُفقد هذه البرامجَ الفعالية الكاملة، خاصَّة فيما يتعلق بقدرتها على تغيير الفكر الذي يعتنقه المتطرف وليس سلوكه فقط.


والمستوى الثاني الذي عُني به المرصَد هو مستوى ضحايا التطرف، والفئة الأقرب إلى المتطرفين؛ كالأسرة والأقارب والأصدقاء، على نحو يُظهر الاهتمامَ بالبعد الإنساني والاجتماعي في مكافحة التطرف، إذ تظل هذه الدائرة من التفاعلات المحيطةِ بالمتطرف خطَّ دفاع رئيسًا في عملية المكافحة الفعالة.


والمستوى الثالث هو مستوى تحصين المجتمع من الأفكار المتطرفة، على نحو يحول دون استمرار انتشار الأفكار المتطرفة في المجتمع، وانتقالها بين الأجيال المختلفة، وهو ما يتطلب سلسلةً من إجراءات المكافحة التي لا تهتم بمعالجة الأسباب الجذرية للتطرف فحسب، أو تلك المتعلقة بالسياق المشجِّع على تبني الفكر المتطرف، وإنما بمعالجة العوامل المحفزة إلى تبني شخص ما فكرًا متطرفًا في الوقت الذي يعزف شخصٌ آخرُ له الظروف نفسُها اجتماعيًّا واقتصاديًّا عن تبني ذلك الفكر.


وسائل العمل
اعتمد المرصَد في هيكله على وسائلَ عملية لتحقيق الأهداف، أولها الرصد والمتابعة، ويقوم بها فريقٌ من الراصدين المتخصِّصين في البحث والمتابعة الإلكترونية على مواقع الشابِكة (الإنترنت) والتطبيقات الحديثة والألعاب والمواقع المحجوبة، وجمع المعلومات والبيانات وتقديمها لفريقٍ آخرَ يقوم بالتدقيق فيها والتحليل لها، ثم توجيه النتائج إلى المتخصصين في العلوم الشرعية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية للتعامل مع تلك البيانات بما يحقِّق الأهداف المرجوَّة من التصدي للتطرف ودعاياته المختلفة، وإعداد الردود والتقارير والبيانات اللازمة للتعامل مع تلك المواد، ليتولى المسؤول عن النشر والتوزيع تحديدَ الوسائل المناسبة لنشر تلك الردود المعدَّة سلفًا، واستخدام التقنيات الحديثة كالصورة والمقاطع المصورة (الفيديو) والرسوم المتحركة فيها، ثم وسائل نشر تلك الردود والمواد على مختلِف وسائل الإعلام التقليدي والجديد.

ويمكن القول: إن تعددَ أوجه ظاهرة التطرف وتداخلَ المعطيات السياسية والاجتماعية والدينية فيها، جعل التعاطيَ معها متعددًا أيضًا بتعدد أوجه الظاهرة، فلا يمكن الاكتفاء بالردود الشرعية في ظل تعقُّد المعطيات وتعددها وتداخلها مع مختلِف مناحي الحياة.


وسائل التواصل والتحديات
اتفق أغلب المراقبين والباحثين والمحللين لجماعات العنف والإرهاب أن لوسائل التواصل الاجتماعي أثرًا كبيرًا في نشر أفكار تلك الجماعات وجذب الأفراد إليها، وتعظيم قدرتها على الوصول إلى أكبر عدد من الأفراد؛ عبر رسائلَ نصيةٍ وصوتية ومرئية لمختلِف الفئات والأطياف والجنسيات، ومن ثَمَّ أدرك مرصد الفتاوى أن تلك الصفَحات هي الساحة الحقيقة للمواجهة والحسم، ومن يملك القدرة على التأثير فيها فستكون له الغلبة.
وكما أن للإعلام التقليدي ضوابطَه ومحدِّداتِه في الموادِّ المنشورة عليه، فإن لوسائل التواصل الاجتماعي وسائلَ فرضت محدِّداتِها على الرسائل المستخدمة فيها، فشكلُ الصور وحجمها والمقاطع المصوَّرة والمنشورات، كلها أدواتٌ للتأثير في تلك الوسائل والصفحات، ولها من المعايير والضوابط ما ينبغي أن يؤخذَ في الحسبان، إذا كان الهدف هو التأثير الفعَّال والوصول المؤثر لدى الأفراد والمجموعات المستهدَفة. وهذا ما دفع المرصَد إلى إنشاء وَحدة خاصة بوسائل التواصل الاجتماعي، تعمل على وضع رسائل المرصد ومخرجاته في قوالبَ خاصةٍ تناسب طبيعة النشر على تلك الصفحات، ثم تبع ذلك إنشاءُ وحدة متخصصة بالرسوم المتحركة، لتكونَ أولَ وحدة من نوعها في المؤسسة الدينية المصرية، التي أسهمت إسهامًا كبيرًا في تحويل مضامين الإصدارات إلى (فواعل) متحركة بالصوت والصورة؛ لتصل إلى جمهور وسائل التواصل بيُسر وسهولة وجاذبية. وقد أسهم ذلك في وصول عدد متابعي صفحة دار الإفتاء على (الفيس بوك) إلى ما يزيد على ثمانية ملايين متابع، فضلًا عن باقي الصفحات على الموقع ذاته، وكذا الحسابات على (تويتر) و(إنستغرام) و(يوتيوب) وغيرها من شبكات التواصل الاجتماعي.


المخرَجات وآفاق المستقبل
بعد مضيِّ نحو خمس سنوات على إطلاق المرصَد، يمكننا الحديث عن صدور أكثرَ من ثلاث مئة إصدار متنوع، ما بين دراسة وتقرير وبيان وفلم قصير وفلم بالرسوم المتحركة، تصبُّ كلُّها في مواجهة الأفكار المتطرفة وتفكيكها، وبيان ملامح المناهج المتطرفة والمعوجَّة، والرد على جميع الشبهات المثارة، إضافة إلى تحصين المجتمع من تلك الأفكار والدعايات السوداء.
وقد شَمِلَت إصدارات المرصَد بحوثًا ودراساتٍ تناولت رصدَ جميع الآيات القرآنية التي يستخدمها المتطرفون في دعايتهم المضلِّلة، وبيان التزييف المتعمَّد في التفسير المعوَجِّ لمقاصدها، إضافة إلى رصد جميع الأحاديث النبوية الشريفة التي توظفها تلك الجماعاتُ في نشر العنف والقتل وسفك الدماء، وتوضيح ما لحق بها من تزييف وتغيير لمعانيها وسياقاتها ومقاصدها المعتبَرة، فضلًا عن تناول الأحداث التاريخية والشبُهات الدينية التي تثيرها تلك الجماعاتُ عن سيرة النبي  وصحابته الكرام، وتوضيح حقيقتها وَفقَ منهج علمي رصين يعتمد على الحجَّة والبرهان العقلي.
وشَمِلَت تلك الدراساتُ أيضًا الجوانبَ السياسية والاجتماعية للتطرف والإرهاب، فصدرت عدة دراسات تتناول بنيةَ التنظيمات التكفيرية والمتطرفة، والتقنياتِ الحديثةَ المستخدمة لديها كالعُملة الافتراضية (البيتكوين) التي استخدمها تنظيم داعش في الحصول على التمويل وشراء الأسلحة والمعدَّات ونقل الأموال من مناطقَ إلى أخرى، واستخدام التنظيمات الإرهابية ما يُعرف بـ "الإنترنت المظلم"، وهو شبكة إنترنت تختلف عن تلك المعروفة لدى الناس، ولها متصفحاتٌ مختلفة وقواعدُ عمل غير تلك المستخدمة في (الإنترنت) العادي. إضافة إلى التطبيقات الحديثة التي يستخدمها التنظيم على الجوَّالات في عمليات التواصل والاتصال والتجنيد وإرسال الرسائل المشفَّرة.
وأصدر المرصَد عددًا من الدراسات التي تناولت الجوانبَ النفسية والاجتماعية في عمليات التجنيد والانضمام إلى التنظيمات المتطرفة والإرهابية، وتأثير العوامل المختلفة كالصور والأناشيد والمصطلحات التراثية في الحشد والإقناع، وإصدار مجلة شهرية باللغة الإنكليزية باسم "Insight" موجَّهة إلى الناطقين بغير اللغة العربية، وتناولت الردَّ على شبهات وأباطيل جماعات العنف والإرهاب.


نحو مستقبل بلا تطرف
يسعى المرصَد إلى نقل تجارِبه وأفكاره ومنتجاته إلى جميع فئات المجتمع المعنيَّة بالتحصين والمواجهة، وفي هذا الصدد أعدَّ المرصد دليلًا مرجعيًّا لمواجهة التطرف يقدم خُطةَ عمل للتعامل مع التطرف، ابتداء بمعرفة سِمات المتطرف وأقواله، ووصولًا إلى القضاء على الأفكار والبيئات الحاضنة للتطرف والدافعة له. ويعمل المرصَد على تحويل هذا الدليل المرجعيِّ إلى برامجَ تدريبيةٍ تزوِّد جميع فئات المجتمع بالمهارات والمعلومات اللازمة للتعامل مع تلك الظاهرة، لتكونَ المواجهة شاملةً وحاسمة لهذا التحدي الكبير الذي يواجه الدول العربية والإسلامية ويشكل خطرًا مُحدِقًا بأمنها ومستقبلها.
 

البريد الإلكتروني*
x