X

Scan the code below

المقالات
نشرت من قبل د. محمد العظامات - عميد ركن متقاعد من القوات المسلحة الأردنية

الأردن في مواجهة الإرهاب مقاربات عسكرية وأخرى ناعمة

بحكم موقعه الجغرافي في عين العاصفة؛ تحمَّل الأردُنُّ على مدار العقود الثلاثة الماضية التبعاتِ الثقيلةَ لحالة الفوضى والصراع التي شهدها ولا يزال يشهدها هذا الإقليم الملتهب، واستقبل بلا حولٍ منه ولا قوة رياحَ العنف والإرهاب التي تهبُّ من الشرق والغرب حاملةً معها بذور التطرف السامَّة. وكغيره من دول الجوار العربي، تعرض الأردن لكثير من الهجمَات الإرهابية التي استهدفت أمنه واستقراره، إلا أن هذه الهجمَات ازدادت حدَّةً مع ظهور "تنظيم داعش" وتمدده وانتشاره بالقرب منه، فاستطاع هذا الزائر البغيض بسهولة ويسر أن يستقطبَ بعض الشباب الأردُنِّي لتنفيذ خُططه القائمة على الإكراه والعنف والتوحش. وفي المقابل انتهجت الدولة الأردنية عددًا من المقاربات العسكرية والناعمة لمواجهة التهديد الإرهابي، حققت نجاحاتٍ ملموسةً بوضوح.

 

 

  التهديد الإرهابي للأردن
بدأت سطور القصة الأردنية الحديثة مع الإرهاب في بداية الألفية الحالية، عندما أحبطت الأجهزة الأمنية الأردنية مخططًا استهدف مواقعَ سياحيةً وشخصياتٍ سياسيةً وأجنبية، وأُعلن حينئذ عن اعتقال ثلاثةَ عشرَ شخصًا، فيهم عراقي وجزائري كانوا قد خاضوا التجرِبة الأفغانية في سابق أيامهم. ثم انتقلت صفحات القصة إلى اغتيال الأمريكي لورنس فولي موظف الوكالة الأمريكية للتنمية الدَّولية عام 2002 في عمَّان على يد خلية تابعة لتنظيم القاعدة. وصولًا إلى ما يُعرف بقضية "الجيوسي"، عندما أحبط الأمن مخططًا لهجوم كيماوي واسع في أبريل من عام 2004 استهدف مبنى المخابرات العامة، والسِّفارة الأمريكية في عمَّان، ومبنى رئاسة الوزراء، وضبطت قوى الأمن عشرين طنًّا من المتفجرات الكيماوية التي كان يمكن أن توديَ حال انفجارها بعشرات الآلاف بين قتيل وجريح. 
وفي عام 2005 اكتمل الفصل الأول من القصة عندما وقعت ثلاثة اعتداءات إرهابية متزامنة باستخدام أحزمة ناسفة، استهدفت ثلاثة فنادقَ في وسط عمَّان، أسفرت عن مقتل 57 شخصًا وإصابة المئات، وأعلن تنظيم القاعدة في العراق بزعامة أبي مصعب الزرقاوي تبنيَه للعملية، التي صنَّفتها الجهات الأمنية الأردنية ضمن أضخم العمليات في تاريخ الأردن وأخطرها. 
أدرك الأردن في وسط هذه الزوبعة الإرهابية التي اجتاحت العالم أنه ليس بمنأًى عن خطر المنظمات الإرهابية وشرورها، وما لبث أن التقط أنفاسه حتى بدأت الموجة الثانية من الهجمات الإرهابية الداعشية.  
 

 

أما الفصل الثاني من قصة الأردن مع الإرهاب فكان عنوانه الأبرز إعدام الطيار الأردني معاذ الكساسبه حرقًا، على يد تنظيم "داعش" الإرهابي عام 2015 بطريقة بشعة حرقت بعُمقٍ الوِجدان الأردني بشتى أطيافه. ثم شهد عام 2016 أحداثًا متوالية، منها: استشهاد ضابط من القوات المسلحة الأردنية إثر اقتحام منزل تقطنه خلية مرتبطة بتنظيم "داعش" في مدينة إربد شماليِّ المملكة، قُتل فيه سبعة أعضاء من الخلية المسلحة عند الاشتباك، واعتُقل آخرون. ثم استشهاد سبعة جنود من القوات المسلحة وجرح أربعةَ عشرَ آخرين إثر استهدافهم بسيارة مفخخة أُرسلت من الجانب السوري في المنطقة الحدودية الركبان. ثم سلسلة عمليات في الكرك، إذ أطلق إرهابيون في شهر ديسمبر 2016 النار في قلعة الكرك التاريخية، فأسفر عن قتل عشرة أشخاص، منهم سبعة رجال أمن وسائحة كندية، وإصابة 34 آخرين، وتابعت الأجهزة الأمنية منفذي العملية وأجرت مداهمة لمنزل في شماليِّ محافظة الكرك تحصَّن فيه أفراد من الخلية؛ أدت إلى استشهاد أربعة من رجال الأمن وقوات الدرك، وإصابة 11 آخرين، وإلقاء القبض على مطلوب وقتل آخر.
وكانت خاتمة الفصل الثاني في الاعتداء الإرهابي الواقع عام 2018، حين قامت خلية داعشية مدربة بتفجير استهدف دوريةَ أمن في مدينة الفحيص بمحافظة البلقاء دون سقوط ضحايا، أعقبته مواجهة مسلحة مع خلية إرهابية بمدينة السلط مركز المحافظة، استشهد فيها 5 عناصر أمن وقُتل 3 مسلحين، وأُلقي القبض على 5 آخرين، فضلًا عن عشرات المصابين.
ومع مشاركة آلاف الشباب الأردني في جبهات القتال السورية والعراقية، وعدم وجود رؤية واضحة لمصيرهم، أو ترتيبات عملية لعودتهم؛ تبقى فصول قصة الإرهاب في الأردن قابلةً للزيادة، وهذا ما فرض على الدولة الأردنية أن تتبنى إستراتيجيةً شاملة، قادرة على مواجهة التحديات التي قد تظهر في المستقبل القريب أو البعيد.
 

 

المقاربة الأمنية العسكرية
منذ اندلاع الأزمة السورية في عام 2011، تابعت المؤسسات السياسية والأمنية الأردنية متابعةً حثيثة الأوضاعَ في سوريا، وفي السنوات الثلاث الأولى امتنع الأردن عن الانخراط المباشر في الملف السوري، واكتفى بالاهتمام بالملف الإنساني الخاصِّ باللاجئين السوريين. لكن منذ عام 2014 حدث تداخلٌ بين الأزمتين العراقية والسورية بفعل امتداد سيطرة "تنظيم داعش" الإرهابي على مساحات شاسعة في العراق وسوريا، وإعلان قيام دولة "الخلافة الإسلامية" ذات الطموح الجامح بالتوسع والتمدد لتشملَ دول الإقليم والعالم. بناءً على هذه التطورات أصبح الأردن من أكثر الدول الواقعة تحت تهديد هذا التنظيم، بفعل الموقع الجغرافي المحاذي للعراق وسوريا. 
ومع وضوح شخصية التحالف الدَّولي لمحاربة "تنظيم داعش" الذي ضم أكثر من 60 دولةً بقيادة الولايات المتحدة في أغسطس 2014، عقب توجيه ضربات عسكرية لمواقع التنظيم في العراق وسوريا، لم يجد الأردن بديلًا عن المشاركة الفعلية به؛ فشاركت طائـرات سلاح الجـوِّ الأردني منـذ 23 سبتمبر 2014 إلى جانب الولايات المتحدة ودول أخرى بتنفيذ غارات جوية ضد الأهداف الحيوية لداعش في مناطق انتشاره في الرقة ودير الزور والبوكمال والحسكة وغيرها، للقضاء على مقاتلي التنظيم وتدمير مراكزه القيادية والتدريبية، ومناطق تزويده ومخازن أسلحته ومعداته. 
وقدم الأردن الدعم الاستخباري واللوجستي لأطراف التحالف الدَّولي؛ بتوفير المنشآت والقواعد العسكرية والمطارات اللازمة لتنفيذ الضربات على مواقع التنظيم في سوريا والعراق، ومثَّلت القواعد الجوية الأردنية قاعدةَ الانطلاق الرئيسة للطائرات الأمريكية والبريطانية والفرنسية في ضرب أهداف التنظيم في سوريا، وقامت الأجهزة الاستخبارية الأردنية بتبادل المعلومات مع دول التحالف عن تحركات قيادات التنظيم وأعضائه. 
وانفرد الأردن في مواجهة خطر "تنظيم داعش" بتطوير ما يسمَّى بـ "سياسة الوِسادات"، وذلك بإقامة شبكة عَلاقات أمنية واجتماعية مع العشائر والأطراف المؤثرة في غربيِّ العراق وجنوبيِّ سوريا؛ إذ عمل الأردن منذ تمدد التنظيم في العراق على تطوير عَلاقاته مع العشائر السنِّية في الأنبار واستمالتهم؛ بهدف إضعاف التنظيم وحرمانه من الحاضنة الشعبية التي يتمتع بها هناك، وإقامة حاجز كبير أمام طموحات التنظيم بالتوسع على حساب الأراضي الأردنية. وقدم الأردن دعمًا استخباراتيًّا وتدريبيًّا للحكومة العراقية في حربها على التنظيم.
وعلى صعيد سوريا، أسس الأردن عَلاقاتٍ متينةً مع العشائر والأطراف المؤثرة في جنوبيِّ سوريا، وقام ببناء تحالفات هناك من شأنها أن تسهمَ في تعزيز دور الجيش الحر، والتحكم بمجريات العملية العسكرية في حوران، وفي إضعاف حضور تنظيم "داعش" وجبهة النصرة في تلك المناطق، وعمل على توسيع دائرة تحالفاته لتشمل ريف دير الزور والمنطقة الشرقية في سوريا المحاذية لمخيَّم الركبان حيث كان "تنظيم داعش". وأثبتت سياسة الوسادات نجاحها في توفير شروط مهمة لحماية الأمن الوطني الأردني.
ولقناعة الأردن بأهمية الدور الروسي في سوريا، وفي مسعًى لإقامة مناطق "خفض التصعيد" على الحدود الأردنية السورية، انفتح الأردن على الطرف الروسي بالتنسيق مع الولايات المتحدة؛ لإيجاد ترتيبات في جنوبيِّ سوريا تخدم الأمن الوطني الأردني، ووصل الأردن في يوليو 2017 إلى اتفاق مع الولايات المتحدة وروسيا على ترتيبات لدعم وقف إطلاق النار في جنوب غربيِّ سوريا. ووفقًا لهذا الاتفاق أُوقف إطلاقُ النار على طول خطوط التماس، بموجب اتفاق قوات الحكومة السورية والقوات المرتبطة بها من جانب، وقوات المعارضة السورية المسلحة من جانب آخر. وتكمن أهمية الاتفاق بأنه خطوة نحو خفضٍ دائم للتصعيد في جنوبيِّ سوريا، ينهي الأعمال العَدائية ويعيد الاستقرار ويسمح بوصول المساعدات الإنسانية إلى هذه المنطقة المهمة في سوريا. وفي أواخر أغسطس 2017 أعلن كلٌّ من الأردن وروسيا تفعيلَ مركز عمَّان لمراقبة اتفاق وقف إطلاق النار في جنوبيِّ سوريا، بمدينتَي درعا والقنيطرة، ودعمَ عملية إيصال المساعدات الإنسانية إلى المناطق الجنوبية.
 

 

المقاربة الناعمة
كانت رسالة عمَّان أولى المقاربات الفكرية التي انتهجتها الدولة الأردنية في محاربة الإرهاب، وهي بيان مفصَّل أصدره الملك عبد الله الثاني في التاسع من نوفمبر عام 2004 بهدف إيضاح جوهر الإسلام الحقيقي وبيان صورته السَّمحة البعيدة عن الغلوِّ والتطرف. وتؤكد رسالة عمَّان قدسيةَ حياة الإنسان، وعدم جواز الاعتداء على المدنيين المسالمين وممتلكاتهم، موضحةً أن الأعمال الإرهابية التي يقوم بها بعض المسلمين مخالفة لجوهر الإسلام الحقيقي. وتعزِّز رسالة عمَّان وتدعم القواسم المشتركة بين أتباع الأديان، وتقدم منهجًا للحوار فيما بينهم يُفضي إلى مزيد من التقارب والتفاهم. وتُعَد رسالة عمَّان منهاجًا دعويًّا سويًّا يقوم على اللين بعيدًا عن التشدد والغلو.
وانبثق عن رسالة عمَّان حوارٌ إسلامي داخلي بين مختلِف علماء المسلمين؛ أنتج اتفاقًا على ثلاث نِقاط رئيسة عُرفت بمضامين رسالة عمَّان، وتتعلق بتحديد تعريفٍ للمسلم في إطار المذاهب والمدارس المختلفة التي اتفق العلماء على أن أتباعها مسلمون لا يجوز تكفيرهم، والعناية بالمشتركات بين هذه المذاهب التي تتفق كلها في أصول الدين وينحصر اختلافها في الفروع، مع تأكيد ضرورة عدم جواز التصدي للإفتاء من قِبَل غير المؤهَّلين أو ادعاء الاجتهاد واستحداث مذاهبَ جديدة أو فتاوى تخالف قواعد الشريعة وثوابتها.
أما مبادرة "كلمة سواء" فقد كانت ثاني المقاربات الفكرية التي سعت إلى نشر ثقافة الوئام والسلام بين الشعوب والأديان، وهي مبادرة صادقَ عليها علماء مسلمون بارزون برعاية مؤسسة آل البيت الملكية للفكر الإسلامي، تهدف إلى تحديد مُنطَلق مشترك للحوار والعَلاقات بين المسلمين والمسيحيين. وجاءت المبادرة عبر رسالة مفتوحة ردَّ فيها ثمانيةٌ وثلاثون من علماء المسلمين في أكتوبر 2006 على كلمة البابا "بندكتوس السادس عشر"، تحدث فيها العلماء من جميع فئات المسلمين بصوت واحد عن التعاليم الحقيقية للإسلام. وبعد مرور عام، قام العلماء بتوسيع رسالتهم، فاجتمع مئةٌ وثمانية وثلاثون عالمًا من جميع المذاهب والمدارس الفكرية الإسلامية ليعلنوا الوثيقةَ التي تحمل العنوان "كلمة سواء بيننا وبينكم" تناولت القاسم المشترك بين المسيحية والإسلام. وفي سبتمبر 2007 قُدمت الصيغة النهائية للوثيقة في المؤتمر الذي عقدته الأكاديمية الملكية التابعة لمؤسسة آل البيت الملكية للفكر الإسلامي بعنوان "الحب في القرآن الكريم"، برعاية الملك عبد الله الثاني، واتفق المشاركون في المؤتمر على أن القاسم المشترك بين الدين الإسلامي والدين المسيحي الذي يعدُّ القاعدةَ المُثلى للحوار والتفاهم هو: حبُّ الله وحب الجار وحب الخير. 
وفي سبتمبر 2010 أطلق الملك عبد الله الثاني مبادرة "أسبوع الوئام بين الأديان" أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة؛ لتشجيع الناس عمومًا والشباب خصوصًا، على تبنِّي المبادئ النبيلة للتسامح والتعايش. وبعد أقل من شهر على إطلاق المبادرة تبنَّتها الأمم المتحدة بالإجماع، ليصبح أول أسبوع من شهر فبراير أسبوعَ الوئام بين الأديان. وتقوم فكرة أسبوع الوئام بين الأديان على العمل الرائد لمبادرة كلمة سواء، وعلى مفاهيم حب الله وحب الجار وحب الخير، ويوفر سنويًّا على مدار أسبوع مِنصَّةً لإثبات قوة نشاط مجموعات حوار الأديان والنيَّات الحسنة.
أخيرًا، أعدَّت الحكومة الأردنية في عام 2014 خُطة وطنية لمواجهة التطرف في إثْر تمدد التطرف والإرهاب في المنطقة والعالم، وخاصة "تنظيم داعش" الإرهابي الذي بلغ انتشاره الذروة في عام 2014. وقد حددت الخطة مسؤوليات الوزارات والمؤسسات المختلفة في تحقيق مكافحة ناجعةٍ للغلوِّ والفكر المتطرف. وأكدت الخطة أن مواجهة التطرف والغلو الفكري تتطلب جهودًا مشتركة تشمل كلَّ الجوانب المتعلقة بهذه الظاهرة؛ دينيًّا وثقافيًّا وتربويًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا. وحددت الخطة الوطنية لمكافحة التطرف ثلاثةَ أطُر رئيسةً مرتكزاتٍ للمعالجة الفكرية لثقافة التطرف؛ الإطار الأول: إرساخ ثقافة دينية إسلامية صحيحة منطلقة من مقاصد الشريعة الإسلامية السَّمحة التي جاءت لحفظ المقاصد الخمسة الأساسية التي تضمن للبشَر تحقيقَ السعادة في الدنيا والآخرة، وهي: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال. والإطار الثاني: إشاعة ثقافة مجتمعية تقوم على التعددية السياسية، واحترام الحريات العامة والحقوق المدنية. والإطار الثالث: إرساء قيم التسامح وقبول الآخر، عبر المؤسسات المعنية بالتربية والتوجيه جميعًا، مثل: وِزارة التربية والتعليم، وِزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وِزارة الأوقاف والشؤون والمقدَّسات الإسلامية، وِزارة الثقافة، المؤسَّسات الشبابية والإعلامية، ودائرة الإفتاء.
 

ختامًا، يمكن القول: إن أي مُقاربة فاعلة لمواجهة ظاهرة الإرهاب، يجب أن تستندَ إلى ركنين أساسيين؛ الأول: فهم طبيعة الإرهاب وجذوره الفكرية، والخلفيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تقف وراء نشأته، مقرونة بقراءة دقيقة واعية لظاهرة الإرهاب على المستوى الوطني، فإن ذلك يساعد في وضع خُطط واقعية لمكافحة التنظيم. والثاني: تأكيد البعد الفكري والأمني والعسكري في مواجهة الإرهاب في آنٍ معًا، مع مراجعة الخطط والمبادرات الوطنية المستندة إلى المصالح الوطنية مدعَّمة ببرامج عمل مدروسة وأدوات تقييم واضحة.  
 

البريد الإلكتروني*
x