X

Scan the code below

المقالات
محمد خالد الغزالي - أستاذ علم الاجتماع في جامعة بادوفا، إيطاليا.

دور الجامعات في مكافحة التطرف - إيطاليا نموذجًا

تتجلى ظاهرة التطرف العنيف اليوم بوصفها تهديدًا محتملًا للتماسك الاجتماعي في إيطاليا، في حين تبدو في البلدان الأوروبية الأخرى أشدَّ قسوة وأعظم أثرًا. ومع أن (الجهادية) العابرة للحدود لم تؤثر في هذا البلد حتى الآن، نجد أن المؤسسات العامَّة قد دقَّت ناقوس الخطر داعيةً إلى تطوير خطط وقائية مناسبة.

وتهدف هذه المقالة إلى بيان الطريقة التي طُرحت بها مشكلة تدريب رجال الدِّين الإسلامي في أوروبا، مع توضيح العناصر الأصلية للمنهج الإيطالي لمنع التطرف، الذي يبرز في مشروع رائد تموِّله الحكومة الإيطالية، يرى أن الحلَّ يكمن لدى الجهات (الأكاديمية) ومواقع المعرفة العلمية للجامعات، وهي شبكة من الجامعات الإيطالية، والجامعات الخاصة ببلدان محددة في منظمة التعاون الإسلامي.

الوقاية أوَّلًا

بخلاف الإجراءات القمعية والمخابراتية، أولت السلطات الإيطالية أهميةً كبيرة للإجراءات الوقائية متمثلة في (الخطاب المضادِّ) الذي يدحض الدعايةَ المتطرفة، واقتراح رؤى بديلة لأطروحات الجماعات الإرهابية. ولا يمكن لتوجُّهٍ يتبنَّى هذه الأهداف أن يضرب صفحًا عن اعتماد صيغة متعددة المستويات ومتعددة الجهات النشطة Battistelli 2013، فهو لا ينسِّق بين المؤسسات الحكومية فحسب، ولكن بين قطاعات مهمَّة من المجتمع المدني أيضًا. 

من هنا ظهرت الحاجة إلى ترتيب استشارات واسعة بين الجهات المؤسسية المؤثرة، والمتخصصين في العلوم الإنسانية والاجتماعية، وممثلي المجتمع المدني الأقرب إلى البيئة التي يُحتمَل أن تتأثر بالظاهرة، وهم أقدر على اقتراح تصور يربط الأحداث بالعوامل التي أسهمت في إنتاجها، ويَحفِز إلى التغلب على ردود الأفعال، واعتماد مواقفَ حذرةٍ ومنفتحة تجاه المسائل التي تكوِّن المشهد الاجتماعي.

وفي مواجهة ظاهرة التطرف التي تدَّعي أنَّ لها تفسيرًا حقيقيًّا للإسلام، فإن أهمية التواصل الديني وأثر الجهات الدينية في هذا المجال قد بات من المسلَّمات. ومنذ عشرين عامًا أصبح تأثير الأئمَّة وحضورهم العلمي والثقافي والاجتماعي وعَلاقاتهم بالسياسة موضوعًا للدراسة. ومع ظهور التهديد (الجهادي) أصبح ما يبذلونه في مواجهة هذه الظاهرة أمرًا حاسمًا جدًّا.

 الإمامة في أوروبا

بدأت مسألة تدريب الأئمَّة في أوروبا تبدو مهمةً قبل أحداث 11 سبتمبر 2001، وسُجِّلت أولى تجارِب الدورات التدريبية للمُرشدين الدينيين في الثمانينيات في إنكلترا وبلجيكا (بيتر 2018)، حيث ترتفع نسبة المسلمين. ثم صارت القضية ذاتَ أهمية حاسمة في العشرين عامًا الماضية. ويُنظر باستمرار إلى أثر الأئمة في تطوير المجتمعات الإسلامية على أنه موضوع يتطلب التدخل لتعزيز دمج المسلمين في المجتمعات المضيفة (بيس، غزالي 2018)، ومنع المشكلات، وقبل كلِّ شيء تقديم الدِّين الإسلامي بطريقة صحيحة، تختلف عمَّا يبدو في دعاية الجماعات المتطرفة.

عندما ترسل الدول الإسلامية الأئمة لمساعدة مواطنيها، أو عندما يأتون من مجتمعات الهجرة نفسها، يبدأ هؤلاء الأئمة بتقديم خِدْمات تقودهم تدريجيًّا إلى ترك المجال الديني البحت، ومعالجة مشكلات أوسع نطاقًا، مثل مساعدة المرضى والسجناء، وإدارة النزاعات الأسرية، وتمثيل ديانتهم ومجتمعهم في المحافل الرسمية والشعبية .Hashas, de Ruiter, Valdemar, Vinding, 2018 ويبدو أن هذا التطور يتيح تدريجيًّا مساحة غير مسبوقة لتمكين المرأة (غزالي 2017)، ففي سياق تعدد وظائف الإمام في ميادين الوساطة الاجتماعية والعلمية والثقافية، تؤكد المرشدات دورهنَّ في هذا المجال، وينتقدنَ في بعض الحالات النموذج الذكوري الحصري لقيادة المجتمع.

ومن هنا تبدو الحاجة إلى التكيُّف مع الواقع الثقافي والاجتماعي الجديد ضرورية، ومسألة تدريب الطاقم الديني وقادة المجتمع أمرًا ملحًّا. إذ يؤثر هذا في المناصب التي يتطلب الوجود الإسلامي تسميتها لدى المؤسسات الأوروبية، مما يتعلق باحترام مبادئ حرية العبادة التي يكفلها القانون، والاستجابة للجذور المستقرة الآن للإسلام في الواقع الاجتماعي والثقافي لهذه البلدان.

إذن يجب فهم مسألة تدريب الموظفين الإسلاميين Schiavinato 2017 أو المرشدين على أنها مسألة تهم استقلالية المجتمع المسلم، إذ يجب على الدولة أن تظل محايدة، لكن من ناحية أخرى لها آثار تبدو وكأنها تتجاوز حدود المجتمعات المسلمة، التي تجذب انتباه الرأي العام، وتتقاطع مع مصالح المؤسسات السياسية والإدارات.

الجامعات ومكافحة التطرف

عُقد اجتماع وزراء الداخلية لمجموعة السبع في إيشيا في 20 من أكتوبر 2017، بمشاركة المفوَّض الأوروبي للهجرة والشؤون الداخلية والمواطنة، ومفوَّض الاتحاد الأوروبي للأمن، والأمين العام للأنتربول، وحُدِّد مجال البحث العلمي الجامعي و(الإنترنت) مجالًا رئيسًا لمقاومة الإرهاب بالتعاون مع كبريات شركات التقنية، لتبادل التقنيات والخبرات واستخدام أفضل التقنيات المبتكرة لقمع المحتوى الإرهابي، وتمكين شركاء المجتمع المدني من تطوير خطاب بديل.

ومن هنا تميَّزت توصيات الاتحاد الأوروبي وتقرير لجنة الدراسات عن ظاهرة التطرف والتطرف الجهادي بالدعوة إلى إنشاء برامجَ مخصَّصةٍ لمكافحة التطرف العنيف CVE، عبر نهج متعدد التخصصات والأطراف، تشترك فيه مجموعة من الجهات العامَّة والخاصَّة، إضافةً إلى هيئات النظام، والاستخبارات، والقضاء، والجهات العمومية وجهات المجتمع المدني النشطة الأخرى. 

وقد أطلقت الحكومة الإيطالية مبادرةً سنة 2019 لإنشاء مشاريعَ تقوم بها وزارة التعليم الإيطالية والجامعات ومراكز البحث العلمي MIUR call - OIC-2018، بهدف تشجيع مشاريع التدريب الجامعي، والدراسات العليا، بين إيطاليا والدول المشاركة في منظمة التعاون الإسلامي؛ لفهم ظاهرة التطرف، وتطوير الاندماج الاجتماعي في إيطاليا (المرسوم التنفيذي رقم 3089. 2018/11/16 - ID 82382 of)  ويندرج ضمن هذا الإجراء مشروع (الوقاية والتفاعل) في المنطقة العابرة للبحر الأبيض المتوسط. ومن المثير للاهتمام أن هذا الإجراء لم يسبِق له مثيل، إذ هي المرة الأولى في أوروبا التي ترصُد فيه وزارةٌ للجامعات والبحوث مواردَ عامَّة لتمويل مشروع لمنع التطرف العنيف، وهو مجال عادةً ما يكون من صلاحيات وزارة الداخلية أو رئاسة مجلس الوزراء. 

وقد قامت المؤسسات العامة الوطنية والمحلية والجهات النشطة في المجتمع المدني منذ مدة طويلة بتجرِبة عدد من المشاريع بالتعاون مع الجمعيات الإسلامية في المجتمع (تدريب العاملين في المجال الديني، دورات لرجال الدِّين، دورات في الوساطة بين الثقافات) وخارج المجتمع (مبادرات حوار الأديان بالمدارس والسجون).

التجربة الإيطالية

تتميز التجرِبة الإيطالية، وفق العمل الذي تقوم به الجامعات، بتقديم المشورة إلى المؤسسات عن هذه الظاهرة، عبر التعاون مع المجتمعات المحلية على أساس خبرتها المكتسَبة في هذا المجال، وأخيرًا بإنتاج مساحات من المرافق العامَّة تُتيح للمؤسسات تنفيذَ مشاريع تهدف إلى تعزيز التماسك الاجتماعي والتعايش السِّلمي بين الفئات الاجتماعية المكوِّنة للمجتمع الإيطالي. وتؤدي الجامعات عملًا نشطًا وأساسيًّا في هذا الإطار، وباتت مرجعًا مهمًّا في المجموعة المتنوعة العلمية الدَّولية، وكذلك للجهات النشطة الدينية المسلمة، وذلك من طريق مركز البحوث الجامعية (FIDR) الذي يضم ثماني وحَدات بحثية، ويُعَدُّ حاليًّا نَواةَ شبكة بريميد (PriMED) التي تشتمل على 22 جامعة، منها 12 جامعة إيطالية، و10 جامعات تنتمي إلى دول منظمة التعاون الإسلامي: لبنان ومصر وتونس والجزائر والمغرب، وجاءت في المرتبة الأولى في ترتيب نداء (MIUR-OCI) .

وجرى افتتاح تخصصين جامعيين: ماجستير "دراسات عن الإسلام في أوروبا - المعرفة والممارسات"، و"الدورة التدريبية المتقدمة للأئمة والمرشدات" المخصصة للأفراد العاملين في الجمعيات الإسلامية الإيطالية.

ومن الابتكارات التي تميِّز مشروع PriMED، وتتصل بالأنشطة التدريبية التي اختيرت في مجال FIDR وشملت في السنوات الأخيرة أكثر من مئة مستخدم، هناك ما هو متعلق بالفضاء التعليمي والطرق التربوية المتوخَّاة للعلوم الإسلامية. ومع وجود شبكة دَولية كبيرة من الباحثين في مسائل العلوم الدينية، طُوِّر تقاطع بين محور التعاون العلمي وتدريب الكوادر الدينية. وقد تحقق ذلك بإجراء البحوث العلمية الشرعية في البلدان الإسلامية في بيئات (أكاديمية) محايدة.

إن بناء الحاضنة الإسلامية في إيطاليا هو عملية معقَّدة جدًّا، إذ تتنافس جهاتٌ شتَّى فيما بينها، ولا يمكن لأولئك الذين يعملون في مجال البحوث الجامعية أن يتخلَّوا عن الحاجة إلى الاتجاه نحو التدريب بواسطة الاهتمام بالسياق المعقد الذي يتحركون فيه، حتى وإن كانوا يحظَون بالتأييد والمشاركة الكاملة للمواطنين المسلمين المنظمين (دي موتولي 2017). 

وقد طُوِّرت هذه الدورات لتكونَ جزءًا من تدريب ما بعد الدراسات الجامعية للموظفين النشطين في هذا المجال، وكان تطويرها منذ المراحل الأولى من إعداد المشروع وتنفيذه، بمساعدة المنظمات الإسلامية الرئيسة النشطة في إيطاليا التي تشارك بهمَّة في تطوير المعرفة العلمية.

وفضلًا عن هذا القسم الأساسي، يقدم المشروع التعليمي تحليلًا لمشاركة الإسلام في أوروبا وإيطاليا، لا سيما في التطور العام للمجتمع، ويختبر بطريقة نقدية المفاهيمَ والأنظمة النظرية التي مكَّنته من تمثيل مجتمعه حتى الآن. 

الاستنتاج

يُعَدُّ تدريب رجال الدِّين المسلمين سؤالًا مهمًّا في منظور التطور الإيجابي لواقع الإسلام في أوروبا. فإذا كان وجود مرشدين دينيين يتعارض ثقافيًّا مع خطاب التطرف العنيف وممارسته، فالأمر يبدو أنه عنصر حاسم لمواجهة انتشار دعاية التطرف العنيف، وقد تكون إسهاماته في النموِّ العامِّ للجودة الدينية والمدنية للمجتمعات التي تعمل في إطارها ولدمجها بطريقة أفضل في سياقها الأوسع سببًا في احتمال نجاح الهدف الأول. وتحقيقًا لهذه الغاية، يجب وضع مشكلة التدريب في منظور واسع وطويل الأجل، كي تكون عملية الوقاية والتفاعل مع التجاوزات (الجهادية) في سياق متماسك عمومًا.

البريد الإلكتروني*
x