X

Scan the code below

المقالات

banner
التطرف والإرهاب ومواجهته
اللواء د. كمال أحمد عامر

تمثل ظاهرة الإرهاب أهم الإشكاليات التي تواجه عالمنا المعاصر، وقد زاد من تأثير تلك الظاهرة السرعة والزخم الذي تتناول به وسائل الإعلام مثل هذه النوعية من الجرائم التي باتت تهدد الإنسانية جمعاء، وعلى الرغم من المآسي التي عانتها البرية من جراء ويلات الحروب التقليدية، باتت الجرائم الإرهابية لها وقع مختلف على النفس البشرية.

 

 

إن الغلو الديني والتطرف الفكري يمثلان أحد أكثر القضايا التي تؤرق المجتمعات الدولية، وتشكل تهديدًا خطيرًا لنمائها واستقرارها وتطورها. فقد ظل المصدر الأساسي لتفكك المجتمعات وتمزيق النسيج الاجتماعي، والمنبع الرئيس للعنف والإرهاب وتكريس آليات التخلف عبر التاريخ. ونتيجة لهذا الغلو الديني والتطرف الفكري؛ ظهر ما يسمى بظاهرة الإرهاب الفكري الذي تمارسه الحركات الإرهابية التي تتشح برداء ديني متشدد، وتقترف أبشع الجرائم باسمه؛ حيث شهدت خلال السنوات الأخيرة تحولات نوعية، وأصبحت أكثر موضوعات الساعة خطرًا وأبعدها أثرًا، فقد تحولت من خلايا صغيرة إلى مجموعات تملك أسلحة ثقيلة متطورة من دبابات ومدرعات وصواريخ مضادة للطائرات، وهو لم يكن متاحًا للمنظمات الإرهابية التي برزت في الثلث الأخير من القرن العشرين.

 

فالتطور النوعي الذي شهدته المنظمات الإرهابية في عدد من الدول العربية أدى إلى رفع كفاءتها القتالية، وزاد من قدرتها على الاستقطاب والحشد، واستغلال تطور النزاعات التي قامت في المنطقة وتحويلها إلى صراعات مسلحة شديدة الدموية، ما جعلها تمثل ضغوطًا متزايدة شديدة الخطورة على الأمن القومي في الدول العربية، كذلك المستجدات التي طرأت في الدول العربية التي تشهد نزاعات مسلحة، منحت المنظمات الإرهابية ثقلًا إضافيًا، تمثل في قدرتها على تمزيق النسيج الاجتماعي لهذه الدول، خاصة الانقسام المذهبي والعشائري والقبلي الذي شهدته مع اشتداد حدة الصراع، والفرز الطائفي الذي رافقها.

 

مكافحة الإرهاب: 

إن القرارات التي تبنتها الجمعية العامة للأمم المتحدة، ومجلس الأمن بشأن مكافحة الإرهاب، واللتان حملتا على عاتقيهما الحفاظ على السلام والأمن الدوليين بدايةً من قرار مجلس الأمن رقم 1373 لسنة 2001 وصولًا لقرار الاتحاد البرلماني الدولي رقم 132 لسنة 2015 تؤكد جميعها على الحاجة الماسة لتظافر الجهود الدولية؛ لاتخاذ التدابير اللازمة لمكافحة الإرهاب بما يتفق مع ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي الإنساني. ولا يجب أن يمثل غياب الاتفاق لتعريف الإرهاب على الصعيد الدولي عائقًا أمام اتخاذ المجتمع الدولي لإجراءات متشددة لمكافحة المنظمات الإرهابية وأنشطتها، خاصة أن دول العالم لديها قوانين وطنية تنص على تعريفات واضحة ومحددة للأعمال الإرهابية.

 

مفهوم التطرف وعلاقته بالإرهاب:

التطرف هو: الخروج عن القيم والمعايير والعادات الشائعة في المجتمع، وتبني قيم ومعايير مخالفة لها. ويعتبر اللجوء من قبل الجهة المتطرفة لفرض قيمها ومعاييرها وفرض رأيها بالقوة هو شكل من أشكال الإرهاب، وبمعنى أدق، فالتطرف الفكري والديني هو أحد المنابع التي تؤدي إلى الإرهاب خاصة وأن 95% من حالات الإرهاب التي اجتاحت العالم خلال السنوات الماضية كانت نتاجًا للتطرف. 

 

ومما لا شك فيه أن خطر التطرف يزداد حين ينتقل من طوره الفكري والاعتقادي والنظري إلى طور الممارسة والتطرف السلوكي الذي يعبر عن نفسه بأشكال مادية باستخدام وسائل العنف والقتل والإرهاب لتحقيق أهدافه. 

 

ولقد ارتبط التطرف والإرهاب بالآونة الأخيرة بالإسلام خاصة مع ظهور الجماعات الدينية المتطرفة مثل: تنظيم داعش وغيره من التنظيمات من كافة أشكال التطرف الديني والسياسي، سواء في الفكر أو المعتقد أو السلوك. 

 

أسباب الإرهاب والتطرف ودوافعه:

يرجع التطرف في جذوره إلى عدة أسباب أهمها ما يلي: 

 

الأيديولوجيات المتطرفة: 

فالإرهاب يعتمد على تجريد الضحايا من إنسانيتهم، والأيديولوجيات المتطرفة المنغلقة التي ترفض الاعتراف بقيمة الآخرين وكرامتهم، هي أدوات أساسية للتعبئة والتجنيد، وهذه الأيديولوجيات تؤجج ثقافة العنف والتعصب، وتزيد من الدعم للجماعات الإرهابية. 

 

الصراعات العنيفة: 

تنشأ كثير من الجماعات الإرهابية في سياق صراعات محلية أو إقليمية عنيفة اعتبرت صيحة استنفار للزعماء الإرهابيين، والصراعات طويلة الأمد غير المحسومة هي التي تخلق الظروف المناسبة للإرهاب، فضلًا عن ذلك فإن الهجمات الإرهابية الانتحارية كثيرًا ما تحدث في ظل الاحتلال الأجنبي، ومن ثم فإن نجاح الجهود الرامية إلى حل الصراعات من شأنه أن يساعد في الحد من استشراء ظاهرة الإرهاب، ومن أمثال ذلك حل مسائل الصراع العربي/ الإسرائيلي.

 

الافتقار إلى وجود مرجعيات دينية موثوق بها: 

فالخطابات الدينية المتعصبة والتي تستند إلى تأويلات وتفسيرات خاطئة، مفارقة لسماحة الإسلام ومجافيه لروح الأديان، التي تنبع من الحفاظ على القيم الروحية النبيلة التي تعتمد على المحبة والرحمة والتسامح ونبذ العنف وقبول الآخر.

 

 الفراغ الفكري والتوقف عن الإبداع والإنتاج، وهو الذي يسد الحاجات المعاصرة للفكر الإنساني، وعدم الاهتمام بشؤون الثقافة والمعرفة ورصد التيارات الفكرية التي غزت البلدان الإسلامية، وعدم التطوير للدراسات الفقهية والأصولية.

 

صعوبة الحياة الاقتصادية التي تعاني منها معظم البلدان النامية، فمعظم هذه البلدان تعاني من مشاكل اقتصادية واجتماعية تساعد على مزيد من الإحباط لكافة طبقات المجتمع ولا سيما فئة الشباب، الأمر الذي يؤدي لانجرافهم نحو تيارات سياسية ودينية تستغل هذا الإحباط لصالح تحقيق أهدافها، ومن ثم دمج هؤلاء الشباب في صفوف الجماعات الإرهابية.

 

الشعور بالقهر نتيجة المعايير المزدوجة في العلاقات الدولية تجاه قضايا العرب والمسلمين والتي يأتي في مقدمتها، استمرار الصراع العربي الإسرائيلي، واحتلال الأراضي العربية، في ظل تقاعس المجتمع الدولي عن اتخاذ موقف حاسم وحازم. 

 

التجربة المصرية في القضاء على الإرهاب: 

على المستوى الدولي كانت مصر أولى الدول التي نادت بعقد مؤتمر دولي لمكافحة الإرهاب في عام 1988 لإيمانها الشديد بأهمية تكاتف دول العالم لمكافحة هذه الآفة الخطيرة التي يعاني منها العالم على مر الأعوام السابقة.

 

أما على المستوى الوطني فقد انتهجت مصر منظومة عمل متكاملة في مجال مكافحة الإرهاب، شملت مختلف النواحي الأمنية والتشريعية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وقد اعتمدت هذه المنظومة على محورين رئيسين: 

 

المحور الأول: يقوم على المواجهة الأمنية (الأسلوب التقليدي) 

المحور الثاني: تصحيح المفاهيم المتشددة الناجمة عن الفهم الخاطئ (الأسلوب غير التقليدي) 

 

أولا: المحور الأول: يقوم على عدد من النقاط أهمها: 

  • الرصد المبكر لعناصر التطرف والأوعية التنظيمية، وإقناعهم بالتعاون مع الأجهزة الأمنية. 
  • توفير أوجه الدعم القانوني للإجراءات الأمنية والفنية في قضايا الإرهاب، والعمل على سرعة الفصل فيها.
  • التنسيق مع الدول التي تأوي العناصر الإرهابية لتسليمهم أو قطع وسائل اتصالهم بالداخل، وقد اعتمد العمل في هذا المنحى على العديد من الإجراءات نشير لها فيما يلي: 
  • إنشاء قاعدة بيانات تشمل كافة جماعات التطرف من قيادات وعناصر، ومناهجها وأسلوب عملها. 
  • تجفيف المنابع المالية لجماعات التطرف؛ باعتماد آليات متعددة تستهدف في مجموعها إيقاف حركة تمويل أنشطتها سواء كان مصدرها لأشخاص، أوجمعيات، أوهيئات، أودول. 
  • التعامل بالجدية والسرعة المطلوبة مع المعلومات المتصلة بالأنشطة الإرهابية أيّاً كان حجمها وتقويمها. 
  • تطوير عمليات التسليح والتدريب بمختلف الأجهزة الأمنية. 
  • استخدام وسائل التقنية الحديثة بما تشمله من وسائل اتصال، وانتقال متطورة لرصد تحركات الجماعات الإرهابية. 
  • وضع آليات أمنية وفنية لتأمين المنافذ.

 

أما المحور الثاني وهو الأسلوب غير التقليدي للمواجهة فيعتمد على: 

  • التحول الفكري، وذلك من خلال عمليات تصحيح المفاهيم المغلوطة لدى المتطرفين.
  • المواجهة الفكرية الإلكترونية للتطرف، وذلك بتوفير موقع إلكتروني على شبكة المعلومات الدولية لقادة تلك الجماعات الذين تم إقناعهم بتغيير قناعاتهم الفكرية المغلوطة، يعرضون فيها أفكارهم الجديدة ويفندون منظومة العنف والتطرف بأسلوب ديني معتدل، وقد امتدت المواجهة لتشمل مخاطبة أبناء الجاليات المسلمة الناطقة باللغة الإنجليزية المنتشرة بدول العالم، ولا سيما التي شهدت ساحاتها أحداث عنف دموية خلال الفترات الأخيرة، حيث تم تصميم واجهة جديدة للموقع باللغة الإنجليزية. 

 

وقد تصاعد دور مؤسسة الأزهر الشريف في مصر، ودار الإفتاء المصرية في المواجهة الفكرية مع التنظيمات الإرهابية في أكثر من اتجاه يتمثل أهمها فيما يلي: 

  • المرصد الفكري: حيث تم إنشاء مرصد الأزهر باللغات الأجنبية ليمكّن من الكشف عن أسباب انضمام الأفراد للتنظيمات الإرهابية مثل داعش وغيرها من خلال شهادات موثقة، توضح مظاهر التضليل والاحتيال في الخطاب الديني والدعائي لتلك التنظيمات، ويهدف المرصد إلى الرد على ما يبثه تنظيم داعش من رسائل وأفكار موجهة إلى الشباب باللغة التي نشرت بها.
  • قوافل السلام: تم إطلاق قوافل السلام حول العالم لنشر ثقافة السلام، وتصحيح المفاهيم المغلوطة ودعوة النخب العربية الإسلامية، كل في مجال تخصصه؛ لتجفيف منابع الفكر الإرهابي من خلال منظومة متكاملة (تشمل التعليم والثقافة) عن حقيقة الإسلام وشريعته وسماحته. 
  • المؤتمرات العالمية: نظم الأزهر عددًا من المؤتمرات لمحاربة التطرف والإرهاب، كان من أبرزها مؤتمر الأزهر العالمي في مواجهة التطرف والإرهاب والذي عقد في الفترة من 3-4 ديسمبر 2014، بمشاركة ممثلي 120 دولة وممثلين عن جميع المذاهب الإسلامية والطوائف المسيحية، وقد أشار المؤتمر في بيانه الختامي إلى كل الفرق والجماعات المسلحة التي تستخدم العنف، وهي جماعات آثمة فكرًا، ويجب على العلماء وأهل الفكر تحمل المسؤولية للأخذ بأيدي هؤلاء من خلال برامج توعية، ودورات تثقيف للفهم الصحيح للنصوص والمفاهيم.
  • المبادرات العالمية: قامت دار الإفتاء بإطلاق مبادرات عالمية لمحاربة فكر داعش الإرهابي وإبراز صورة الإسلام الحقيقية. فقد صدرت قرابة عشر مبادرات عالمية منذ العام الماضي من بينها مبادرة (لا تتحدث باسمي) للتصدي للإسلام فوبيا ومخاطبة الشعوب غير العربية والإسلامية، كما تمّت مناقشة إمكانية تدريب وإعداد عدد من الأئمة الأوروبيين في مجال التصدي للفتاوى المتشددة.
  • مجلة الرؤية: قامت دار الإفتاء بتدشين مجلة إلكترونية بقنوات "إن سايت" بلغات متعددة للرد على مجلة داعش الإلكترونية "دابق" كما تم تدشين مرصد لرصد فتاوى التكفير والآراء المتطرفة، لتقديم ردود علمية شاملة وموثوقة لمعالجة وتفنيد مزاعم تلك التنظيمات الإرهابية. 

 

إستراتيجيات التعاون بين الدول لمكافحة الإرهاب والتطرف: 

 

إن التعاون الدولي لم يكن يومًا ضروريًا كما هو عليه الآن لمواجهة الإرهاب، والمنطق الأمني والعسكري رغم ضرورته كشف محدودية دوره في القضاء على هذه الآفة، لذا فإن الدول مطالبة بالتركيز على الإستراتيجيات الوقائية للحيلولة دون تحول الشباب إلى التطرف والانجراف تحت تيار الإرهاب الذي بات يشكل خطرًا واضحًا وداهمًا في كافة أنحاء العالم. 

 

وفي اعتماد هذه الإستراتيجيات فإن الدول مطالبة بالتركيز على دور الشباب والمرأة في القضاء على هذه الظاهرة، حيث اعتمد المجلس القرار رقم 2250 لعام 2015 حول الشباب والسلم والأمن، فالشباب يعاني اليوم من تداعيات غياب الأمن والسلم في العديد من البلدان، كما ينبغي ألا نغفل قدرة الجماعات الإرهابية على استقطاب قطاع من الشباب خاصة في مناطق النزاع وتوظيفهم داخل الجماعات.

 

لا شك أن البرلمانات تقوم بدور حاسم في تنفيذ الاتفاقات والمعاهدات الدولية، والتي من شأنها الحد من انتشار ظاهرة الإرهاب، وهنا سنعرض لبعض التوصيات الهامة التي يجب أن تضعها الدول في الحسبان لوضع إستراتيجية واضحة ومحددة لمكافحة الإرهاب: 

 

التوصيات:

  • التعاون والتنسيق بين الدول وخاصة المتجاورة منها والتي تعاني من الجرائم الإرهابية بصورة متشابهة أو مشتركة.
  • تطوير وتعزيز الأنظمة المتصلة بالكشف عن نقل واستيراد وتصدير وتخزين واستخدام الأسلحة والذخائر والمتفجرات، والتشديد في إجراءات مراقبتها عبر الجمارك والحدود؛ لمنع انتقالها من دولة إلى أخرى. 
  • تطوير وتعزيز الأنظمة المتصلة بإجراءات المراقبة وتأمين الحدود والمنافذ البرية والبحرية والجوية؛ لمنع حالات التسلل منها.
  • تعزيز نظم تأمين وحماية المنشآت الحيوية والعامة.
  • تعزيز أنشطة الإعلام الأمني وتنسيقها مع الأنشطة الإعلامية في الدولة وفقًا لسياستها الإعلامية؛ وذلك لكشف أهداف الجماعات والتنظيمات الإرهابية، وإحباط مخططاتها وبيان مدى خطورتها على الأمن والاستقرار. 
  • قيام كل دولة بإنشاء قاعدة بيانات؛ لجمع وتحليل المعلومات الخاصة بالعناصر والتنظيمات الإرهابية ومتابعة مستجدات ظاهرة الإرهاب الناجحة في مواجهتها، وتحديث هذه المعلومات وتزويد الجهة المختصة بها.
  • تأمين حماية فعالة لمصادر المعلومات عن الجرائم الإرهابية. 
  • إقامة تعاون فعّال بين الأجهزة الأمنية، وبين المواطنين؛ لمواجهة الإرهاب بما في ذلك إيجاد ضمانات وحوافز مناسبة للتشجيع على الإبلاغ عن الأعمال الإرهابية، وتقديم المعلومات التي تساعد في الكشف عنها.
  • تعاون الدول فيما بينها لتعزيز تبادل المعلومات حول: 
  • أنشطة وجرائم الجماعات الإرهابية وقياداتها وعناصر تمويلها.
  • وسائل الاتصال والدعاية التي تستخدمها الجماعات الإرهابية، وأسلوب عملها وتنقلات قياداتها وعناصرها.
  • ولا شك أن إرادة المجتمع الدولي في القضاء على الإرهاب والانتصار عليه هي أبرز البدائل التي تفعّل كل التوصيات المشار إليها آنفاً. 
   
تحكم بالخط
-
+
البريد الإلكتروني*
x