للدِّين أهميةٌ كبيرة في حياة الأمم والشعوب؛ فهو ينظِّم صلة البشر بخالقهم، ويضبِطُ سلوكهم مع أبناء جنسهم، ويساعد على إنشاء مجتمع قويم، فضلًا عن أنه غذاءٌ للروح، وصانع للسَّلام. ممَّا يجعل الفصلَ بين الإنسان وحقِّه في التديُّن أمرًا شبهَ مستحيل، إن لم يكن مستحيلًا. لكن مع جنوح بعض الجماعات المتطرفة إلى انتهاك قُدسيَّة الدِّين، والتعدِّي على حُرمة أحكامه؛ بتطويع نصوصه لما يخدُم أهدافها ومخططاتها، عمَّ الخرابُ والدَّمار وانتشرت الفوضى، وبات أمنُ المجتمعات في خطر يؤرِّق حياة الشعوب.

بين الحرية والتطرف
وبهذا كان من الضروريِّ تسخيرُ كل الوسائل الممكنة في مواجهة ظاهرة التطرف الديني والقضاء عليها. فقد أصبح التطرفُ والإرهاب الديني مشكلةً تعاني من جرَّائها أغلبُ دول العالم، ومنها دولة ماليزيا، ويتجلَّى خطرُها في أحداث العنف التي وقعت في ماليزيا وعموم مِنطَقة جنوب شرقي آسيا، والقبض على أعضاءٍ من تنظيم داعش الإرهابي، والجماعات المنضوية تحت رايته. وقد دفع هذا الإرهابُ الحكومةَ الماليزية إلى اتخاذ تدابيرَ شتَّى لمحاربته؛ حفاظًا على أمن البلاد والعباد. لكنَّها اصطدمت بعقَبات تتعلَّق بدستور الدولة، وبالقوانين الدَّولية، وحقوق الإنسان وغيرها. وكان على متَّخذي تلك التدابير ضرورةُ الموازنة بين توفير الحماية للمجتمع والمحافظة على أمنه واستقراره من جهة، ومراعاة حقوق الأفراد وحرياتهم الخاصَّة في المجتمع من جهة أُخرى.

ينصُّ الدستور الماليزي في مادَّته الحادية عشرة على حرية العقيدة، وحرية ممارسة الشَّعائر الدينية. وفي المادَّة الثالثة ينصُّ الدستور أيضًا على أن الإسلام هو دينُ البلاد، لكن يحقُّ لأبناء الدِّيانات الأُخرى ممارسة شعائرهم بحرية وسلام. وتلتزم الحكومةُ باحترام هذا الحقِّ ورعايته. لكن ينبغي الإشارةُ إلى أن هذا الحقَّ ليس بلا حدودٍ ولا ضوابطَ؛ بل يخضع لقانون النظام العام والصحَّة العامَّة والآداب الاجتماعية. 

ويجوز للحكومة سنُّ قوانينَ من شأنها تقويضُ الدعوة إلى العقائد المتطرفة، وترويج الأفكار المنحرفة، كما يجوز للبرلمان الماليزي استنادًا إلى المادة 149 من الدستور سنُّ القوانين اللازمة لمحاربة التطرف العنيف. ومن هذا المنطَلق حذَّرت المحكمةُ العليا من اتِّخاذ حرية العقيدة وممارسة الشعائر الدينية ذريعةً لارتكاب أعمالٍ غير قانونية، أو تنفيذ جرائمَ نابعة من تعصُّب أعمى يهدِّد أمن البلاد. وأشارت المحكمةُ إلى الفقرة 5 من المادَّة 11 في الدستور، التي تنصُّ على أن المادَّة المعنيَّة بحرية الأديان لا تجيزُ ارتكاب أيِّ فعل مخالف للقانون المتعلِّق بالنظام والسلوك العام، على ما تقدَّم آنفًا.

قوانين مكافحة الإرهاب 
سنَّت الدولةُ الماليزية مجموعةً من القوانين لمكافحة الإرهاب، يمكن تقسيمُها إلى فئتَين: 

الفئة الأولى، القوانين العادية:
ويُقصَد بها التشريعاتُ التي صدرت عن الهيئة التشريعية الاتحادية والهيئات التشريعية للدولة، بحسَب سُلطاتها الدستورية المعنيَّة، وهذه القوانينُ منسجمة مع بنود الدستور، ولا سيَّما ما يتصل بجوانب ضمان الحرِّيات الأساسية. ويحقُّ للمحكمة إبطالُ أيِّ قانون لا يتَّسقُ مع الدستور، أو ينتهك حقوقًا مدنية يضمنها الدستور ويكفلها للمواطنين. ومن القوانين التي تندرج تحت هذه الفئة قانونُ مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وعائدات الأنشطة غير المشروعة لعام 2001م، والتدابير الخاصَّة لمكافحة الإرهاب في الدول الأجنبية 2015م، وقانون العقوبات.

وقد فعَّلت ماليزيا بنودَ قانون العقوبات، ولا سيَّما الفصل السادس (A) المتعلِّق بجرائم الإرهاب، في قضايا تناولتها المحكمةُ أخيرًا تخصُّ الأنشطة ذات الصِّلة بالتطرف الديني. وينقسم هذا الفصلُ إلى جزأين: الأول يتضمَّن بنود قمع الأعمال الإرهابية واستنكار دعمها، ويبدأ من الفِقرة 130 (B) إلى الفقرة 130 (M). والثاني بنود قمع تمويل الأعمال الإرهابية، ويبدأ من الفِقرة 130 (N) إلى الفقرة 130 (T/a).

والفئة الثانية، القوانين الخاصَّة: ويُقصَد بها التشريعاتُ الصادرة عن البرلمان، بحسَب المادَّة 149، التي تتناول أعمالَ التخريب والعنف المنظَّم والجرائم التي تُلحِق الضَّرر بعامَّة الناس. ووَفقَ أحكام هذه المادَّة، يُخوَّل البرلمانُ سنَّ قوانينَ خاصَّة، مثل: منع أيِّ نشاط داخل الاتحاد الماليزي أو خارجه يسبِّب ترويعَ المواطنين، أو منع العنف المنظَّم تجاه الأفراد أو الجماعات أو الممتلكات الحكومية أو الخاصَّة، أو السَّعي لإثارة الرأي العام تجاه الملك، أو أيِّ حكومة من حكومات الاتحاد، أو إثارة الضَّغينة والكراهية بين أبناء الأعراق والطبقات المختلفة، أو العبث بالخِدْمات العامة، أو اتِّباع سلوك يضرُّ بالنظام العام، أو يهدِّد أمن الاتحاد أو أي جزءٍ منه. 

ويُعَدُّ أيُّ بندٍ من بنود القانون المتَّخَذ عملًا بالمادَّة 149 ساريًا ونافذًا، حتى إن لم يتَّسق مع الحقوق الدستورية في الحياة والحرية الشخصية، وحرية التنقُّل، وحرية التعبير، وحرية التجمُّع، وحرية تكوين الجمعيَّات، وحقوق الملكية. ومن التشريعات التي سُنَّت تحت البند الدستوري لمكافحة التخريب والعنف المنظَّم: قانون «منع الجريمة» لعام 1959م، وقانون «الأمن الداخلي» لعام 1960م، وقانون «التدابير الخاصَّة» للجرائم المهدِّدة للأمن عام 2012م، وقانون «منع الإرهاب» لعام 2015م.

أنواع الجرائم
ويمكن تقسيمُ الجرائم المنصوص عليها في قوانين مكافحة الإرهاب المذكورة آنفًا، إلى جرائمَ فكرية وجرائمَ جنائية. أمَّا الجرائمُ الفكرية: فيُقصَد بها الجرائم التي يرتكبها الأفرادُ أو الجماعات بناءً على معتقَدات فكرية. وقد لا تسبِّبُ هذه الجرائمُ بالضرورة أيَّ ضرر مادِّي للعامَّة. ومن هذه الجرائم: حيازةُ أيِّ موادَّ ذات صلة بالتطرف والإرهاب؛ كالصُّور، والمقاطع المصوَّرة (فيديوهات)، والمقاطع الصَّوتية، والرموز والأعلام، والكتب والمنشورات، والموادِّ الدعائية والترويجية الداعمة للفكر المتطرف في وسائل التواصل الاجتماعي، وطلب التبرُّعات. ومع أن هذه الجرائمَ في أصلها ليست عنيفةً، إلا أنها من المحتمَل أن تُفضيَ إلى تطرفٍ وعنف وإرهاب. لذا تُصَنَّف في قانون العقوبات ضمن «جرائم الإرهاب». 

وأمَّا الجرائمُ الجنائية: فيُقصَد بها الجرائم التي يُتسبَّب بها لإحداث ضرر مادِّي للعامَّة أو للأفراد. وليس هناك تمييزٌ صريح وواضح في القوانين الحالية بين الجريمة الفكرية والجريمة الجنائية؛ فينبغي أن يكون النظرُ إلى الجرائم الفكرية والجرائم الجنائية مختلفًا، وينبغي أيضًا ألا يخضعَ مرتكبو الجرائم الفكرية للمعاملة نفسها أو العقاب نفسه الواقع على مرتكبي الجرائم الجنائية. إن فرضَ عقوبات قاسية على مرتكبي الجرائم الفكرية قد تنتُج عنه عواقبُ جدُّ وَخيمة على المدى البعيد، ومن الأفضل أن يكونَ الحكم على الجرائم الفكرية إصلاحيًّا وتأهيليًّا، بدلًا من أن يكون عقابيًّا وانتقاميًّا.

الأحكام القضائية 
إنَّ أحد أهمِّ وظائف المحكمة هي حمايةُ الحقوق المشروعة للمواطنين، وتحديدُ مدى قانونية القيود المفروضة عليهم، وتأثيرها في الحقوق وَفقَ القوانين والإجراءات الحكومية. ومن وسائل الضبط والتوازن في الإطار الدستوري للدولة، التزامُ المحكمة بحماية حقوق المحتجَزين والمتَّهمين بجرائمَ متعلِّقة بالتطرف والإرهاب. وتتمتَّع المحكمة بسُلطة إبطالِ القوانين التي تنتهك الحقوقَ والحرياتِ المنصوصَ عليها في دستور الدولة، وإعلانِ عدم قانونية أيِّ عمل أو قرار تتَّخذُه الحكومة، وعدم دستوريته، في حال انتهاكه لحقوق الأفراد. 

وفي هذا الجانب تولَّت المحكمةُ البتَّ في كثير من القضايا؛ كقضيَّة «أحمد ياني بن إسماعيل» التي رفعها على المفتِّش العام للشرطة، حين احتجزت السُّلطات عددًا من أعضاء الجماعة الإسلامية الناشطة في جنوب شرقي آسيا، التي حاولت زعزعةَ الاستقرار، وإسقاطَ النظام الحكومي الشرعي، بقيادة تمرُّد مسلَّح يهدِفُ إلى تكوين أرخبيل يشمل كلًّا من ماليزيا وإندونيسيا وجنوب الفلبِّين. وقد تبيَّن تلقِّي أعضاء هذه الجماعة تدريباتٍ على شنِّ العمليات المسلَّحة، وخوض الحروب. وقرَّرت المحكمةُ أن تلك الأنشطةَ لا تقع تحت بند الحرية الدينية، فهي لا تخضع للمادَّة الحادية عشرة من الدستور الماليزي التي تؤكِّد حقَّ الأفراد في التديُّن. 

ولمـَّا كانت تلك الأعمالُ من شأنها أن تهدِّدَ استقرار البلاد، رأت المحكمةُ أن احتجاز تلك المجموعة أمرٌ مشروع، وليس انتهاكًا لحرية التديُّن بحالٍ من الأحوال. وفي قضية «عبد الرزَّاق بن بحر الدِّين» وآخرين المرفوعة أيضًا على المفتِّش العام للشرطة، كان المحتجَزون أعضاءً في الجماعة الإسلامية في جنوب شرقي آسيا، وأُلقيَ القبض عليهم، واحتُجزوا لأنشطتهم المسلَّحة وانخراطهم بأعمال عنف. وقد احتجَّ أعضاءُ الجماعة بأن احتجازهم معارضٌ لحرية ممارسة الدِّين التي كفَلَها القانون. لكنَّ المحكمة لم تقتنع بحُجَّتهم بعد تحليل شامل لكلِّ الوقائع والتصرُّفات، وأقرَّت القرار الذي اتخذته السُّلطة بشأن ضرر أنشطة المحتجَزين وأفعالهم، وتهديدها لأمن الدولة، وضرورة منعها ومكافحتها. وهذه القضايا كما هو واضح تقدِّم أدلَّة على عدم اعتبار أنشطة الجماعات الدينية المسلَّحة ضمن الحقِّ الديني المكفول للمواطنين، أو أنها محميَّة بنصِّ الدستور.

خطط وجهود
تبذل دولةُ ماليزيا جهودًا كبيرة للقضاء على التطرف، وملاحقة المتطرفين والإرهابيين وتقويض أنشطتهم، والتصدِّي لأعمالهم. لكن على الرغم من قسوة التدابير التي تُتَّخذُ غالبًا؛ يظلُّ الفكر المتطرف الذي يتغذَّى عليه الإرهاب قائمًا وناشطًا. لذا تسعى الدولةُ بحزم للقضاء على جميع الأسباب والعوامل التي تغذِّي الفكر المتطرف، بعد أن ثبتت آثارها السيِّئة وعواقبها الخطِرة. 

وقد تبنَّت الدولة الماليزية خُطةً إستراتيجية شاملة، في مجال مكافحة التطرف والإرهاب، تشتمل على المناهج الصارمة أحيانًا، والمتساهلة في أحيانٍ أُخرى، لكنَّ خطر التطرف الديني النامي، يتطلَّب أن تضاعفَ وكالاتُ إنفاذ القانون جهودَها في حماية المجتمع وأفراده، وأن تتحلَّى السُّلطات باليقظة التامَّة، والقدرة على التسامح والتصالح؛ بهدف عدم تقييد الممارسة المشروعة لحقوق حرية التعبير، وحقِّ الاعتقاد الديني، وممارسة الشعائر الدينية، مع مساعدة الأبرياء الذين يقعون في شَرَك التنظيمات الإرهابية عن جهل بدلًا من معاقبتهم بقسوة. وينبغي أخيرًا مراعاةُ أن يظلَّ التعاون وثيقًا بين وكالات إنفاذ القانون والمحاكم والسُّلطات الدينية، والعمل معًا لدحر الإرهاب والفكر المتطرف.